الزمخشري

8

مقامات الزمخشري

من المشايخ من يحتاط في إكرام مصنفه حتى لا يرضى له إلا أن يكتب بخط رشيق . وبقلم جليل وفي ورق جياد . وأن يخط مضبوطا بالنقط والشكل ، فقد قيل الخط الحسن يزيد الحق وضوحا ، وأن تأمر من انتسخها بأن يوشح نسخته بإثبات اسم المنشىء وتفخيمه والدعاء له بالرضوان والرحمة فإنه أقل ما يستوجبه منه على ما وصل اليه من فوائده وتكليفك أن لا تمر على شيء من تلك الاسجاع وغيرها من أبواب الصنعة إلا متأملا وجه تمكنه وثبات قدمه والاستعداد له قبل مورده . لتعلم أن ما سماه الناس البديع من تحسين الألفاظ وتزيينها بطلب الطباق فيها والتجنيس والتسجيع والترصيع لا يملح ولا يبرع حتى يوازي مصنوعه مطبوعه وإلا فما قلق في أماكنه ونبا عن مواقعه فمنبوذ بالعراء مرفوض عند الخطباء والشعراء وأن تنبه على من يدرسه على مواقع النكت فيها واللطايف وما روعي في مناظمها من رائع الترتيب وتفهيمك أن كلمات السجع موضوعة على أن تكون ساكنة الاعجاز موقوفا عليها لأن الغرض أن يجانس بين القرائن ويزاوج بينها وما يتم ذلك إلا بالوقف وإلا ذهبت أيادي سبا ، ألا ترى إلى قولهم « لا مرحبا بحجين يحل الدين ويقرب الحين » . لو ذهبت تصل ما لم يكن لك بد من جر حجين وتنوينه ونصب قرينتيه فعطلت عمل الساجع وفوت غرضه وهدمت بناءه . وتأمل كلام سجاعة العرب في الأنواء وغيرها تجد الأمر على ما فهمتك وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعه لطلب الازدواج والتشاكل فيقولون : « آتيك بالغدايا والعشايا » . و « إذا طلع النطح طاب السطح » . يريدون الغدوات والناطح فما ظنك بهم في ذلك أسأل اللّه ان يفعم لك سجال النعم . ويعينك على إفادة أهل الحرم . وإفادة الوفاد . من أقاصي البلاد . ويكتبك ببركة هذا البيت العتيق في زمرة العتقاء من النار . ويثبت اسمك في جملة الأبرار . الذين لهم عقبى الدار .